سيد محمد طنطاوي

229

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير : حذر اللَّه - تعالى - عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا ، أي : خديعة ومكرا ، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها ، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة ، المشتملة على الصد عن سبيل اللَّه ، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام « 1 » . وقوله : * ( ولَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * لا يعلم مقدار شدته وهو له إلا اللَّه - عز وجل - فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا ، انقلاب حالة الإنسان من الخير إلى الشر ، ونزول العذاب الدنيوي والأخروى به . ثم نهاهم - سبحانه - عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى - : * ( ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَناً قَلِيلًا ) * . والاشتراء هنا : استعارة للاستبدال ، والذي استبدل به الثمن القليل هو الوفاء بعهد اللَّه . والمراد بعهد اللَّه - تعالى - : أوامره ونواهيه التي كلفنا بالتزامها والعمل بمقتضاها . والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها وزينتها من الأموال وغيرها . والمعنى : ولا تستبدلوا بأوامر اللَّه - تعالى - ونواهيه ، عرضا قليلا من أعراض الدنيا الزائلة ، بأن تنقضوا عهودكم في مقابل منفعة دنيوية زائلة . وليس وصف الثمن بالقلة في قوله : * ( ثَمَناً قَلِيلًا ) * من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل في مقابل عدم الوفاء بالعهد ، إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا اللَّه - تعالى - . ورحم اللَّه الإمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة : * ( ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَناً قَلِيلًا ) * أي : لا تعتاضوا عن الأيمان باللَّه عرض الحياة الدنيا وزينتها ، فإنها قليلة ، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند اللَّه هو خير له « 2 » . ثم رغبهم - سبحانه - فيما عنده فقال : * ( إِنَّما عِنْدَ اللَّه هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . أي : إن ما ادخره اللَّه - تعالى - لكم من ثواب عظيم ، وأجر جزيل ، وحياة طيبة ، هو خير لكم من ذلك الثمن القليل الذي تتطلعون إليه ، وتنقضون العهود من أجله ، إن كنتم من أهل العلم والفطنة ، الذين يؤثرون الباقي على الفاني .

--> ( 1 ، 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 585 .